160620221012_trump_640x360_-_nocredit
يتوهم البعض أن منظومة الاستبداد يُشترط لها أن تنمو وتتمدد في نظام (دكتاتوري) للحكم، كالنظام القبلي التوارثي أو نظام الحزب الواحد أو نظام طبقة الصفوة العسكرية التي تحتكر الحكم، فيتوهمون أنه إذا كان النظام السياسي ليس واحداً من هؤلاء وأن (الديمقراطية) – خاصة على الطريقة الغربية – قد تحققت في نظام معين للحكم، أن الشعوب إذن قد قضت على الاستبداد، بل وعلى الفساد والظلم كذلك … وهذا وهم بعيد.
فهذه هي الانتخابات الأمريكية (الديمقراطية) قد دفعت لأمريكا وللعالم كله بأسوأ سياسييها عنصرية وإجراماً وجهلاً إلى سدة الحكم، بل وفي نفس اليوم دفعت بأغلبية لمجلسيها التشريعيين من اليمين المتطرف، حتى لا يوقف هؤلاء السياسيين شيء ولا يحاسبهم أحد وحتى يشرّعوا ما يحلو لهم من قوانين لأمريكا وللتعامل مع بلاد العالم، لا على المستوى القانوني فقط بل وعلى المستوى الدستوري بعد أن ملكوا اللجنة الدستورية الأمريكية العليا أيضاً!
وعلى الرغم من أن نظم الدولة الأمريكية المركبة لن تسمح – على أغلب الظن – بالاستبداد والفساد على طريقة العرب أو الأفارقة أو اللاتينيين، من سحل المعارضين السياسيين في الشوارع أو التلاعب الأمني بالقضاء أو تجويع الشعوب أو تخدير الشباب، إلا أن الاستبداد الأمريكي سيتخذ – على أغلب الظن – شكلاً دموياً وخطيراً خاصة في حق الأقليات الأمريكية من السود والمسلمين والمهمشين داخل النظام نفسه، ناهيك عن التعامل على طريقة رعاة البقر مع بقية العالم، خاصة العالم العربي والإسلامي.
أما الاستبداد داخل أمريكا، فدمويته تتمثل أساساً في الاحتكار الاقتصادي المتوحش، والذي سيؤدي حتماً إلى مزيد من التقلص للطبقة الوسطى لصالح نادي الواحد في المائة المحتكر للثروات والسوق والإعلام والسلاح والبترول وصناعة الترفيه والزراعة. وهذا الظلم للطبقتين الوسطى والدنيا – واللتان تقدران معاً بحوالي تسعة أعشار الأمريكيين – ليس فقط في فرص التعليم والوظائف والتجارة، بل وفي أبسط متطلبات العيش من قوت الطعام والدفء في الشتاء والعلاج الصحي والسكن الآمن. ستكتشف غوغاء الأغلبية البيضاء – قريباً جداً – أن الذين أتوا بهم الآن إلى سدة الحكم لن يحققوا – ولا يستطيعون أن يحققوا – ما وعدوا به من نعيم وثروات للجميع. (إن الله لا يصلح عمل المفسدين).
أما إذا تحدثنا عن الأقليات العرقية في أمريكا فحدث ولا حرج عن الاستبداد والظلم في سحق حقوقهم – بالقانون – لصالح الرجل الأبيض المسلح بشراسته التي عبر عنها تعبيراً صادقاً في هذه الانتخابات، تلك الشراسة التي قتل بها نفس الرجل الأبيض المسلح قرابة المائة مليون هندي أمريكي من سكان البلاد الأصليين في القرن السادس عشر، والتي استعبد بها عشرات الملايين الأفارقة في أمريكا ثم المليارات من البشر في بلاد العالم في أمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى وغيرها من القارات، والتي ألقى بها منذ عقود قليلة قنابله الذرية على اليابان لتقتل مئات الألوف من الأبرياء في دقائق.
وأما الاستبداد الأمريكي على الشعوب خارج أمريكا، فحدث ولا حرج عن نوايا هؤلاء الناس في تطبيق المقولة الشهيرة: (ادفع لنا مالك أو ادفع حياتك) أو باللهجة الأمريكية (The money or your life)، وهو أسلوب التعامل وشعار المرحلة في سياسات المحافظين الجدد خاصة على الدول (الغنية الضعيفة) في عالمنا العربي كما أعلن مرشّحهم للرئاسة بصراحة. ثم إن التمدد الصهيوني الآتي في مساحات الخواء والضعف والتفرق العربي الإسلامي الحالي هو أمر لا مفر منه في تقدير العقلاء، (إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيء علماً).
وهذا لا يعني – بالمناسبة – أن انتخاب الديمقراطيين كان حلاً لهذه الإشكالات العميقة في الواقع الاستبدادي الأمريكي، أو الواقع الاستبدادي العالمي الذي يتنامي في بلاد الشرق والغرب وبلاد المسلمين وغير المسلمين. فقد أصبحت نظم الاستبداد بصوره الاقتصادية والسياسية والدينية سمة للمرحلة سواء باسم الدكتاتورية أو من وراء ستار من الديمقراطية الفاسدة. وقد علمتنا تجارب السنوات القليلة الماضية أن الكلام المنسق البليغ الذي يأتي من حكام مثقفين ومتعلمين – في أمريكا وغير أمريكا – لا يغير من واقع السياسات غير الأخلاقية كثيراً، ولو كان أهون وأخف ضرراً بما يضع من ضمادات ويعطي من مسكّنات لأمراض الاستبداد المزمنة، وذلك على الرغم من ضرره في إعاقة التسارع في نبض الحركات الشبابية الثورية العالمية، تلك الحركات التي تتوق للحرية والعدالة شرقاً وغرباً في صور شتى مختلفة الشعارات ومتقاربة الأهداف.
علينا إذن أن نتعلم الدرس التالي: النظام الديمقراطي كآلية لاختيار الحاكم وصنع القرار العام لا يتعارض مع الاستبداد! وإنما تضع الديمقراطية حدوداً للاستبداد فقط إذا مورست بشكل أخلاقي. أما إذا كانت المساحات العامة خالية من الأخلاق، حينئذ تكون الديمقراطية غطاءاً زائفاً لأسوأ ما في البشرية من خصال، ويلعب عندئذ السياسيون والإعلاميون وأصحاب الثروات الطائلة – في الشرق والغرب – على أسوأ ما في النفوس البشرية من خوف وحقد وكره وجهل وطمع وأنانية، وتكون (ديمقراطية الأغلبية) إذن أسوأ أسلحة الاستبداد وأشدها خطراً. عند ذلك يتحقق قول الخالق سبحانه وتعالى في حق الأغلبية، وهو أعلم بخلقه: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم فاسقين)، (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)، (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)، (ولا تجد أكثرهم شاكرين)، (إن الإنسان لظلوم كَفّار)، الآيات. الأكثرية ليست شرطاً في الاختيار الصائب الرشيد، بل العكس هو الصحيح في غياب الأخلاق.
علينا إذن أن نتعلم أن (الديمقراطية) ولو كانت أفضل من الدكتاتورية، إلا أنها في بلادنا الإسلامية لا تمثل وحدها حلاً لمشكلات الواقع الاستبدادي الفاسد، اللهم إلا حل إشكالية التداول السلمي للسلطة، وهي إشكالية تاريخية مزمنة فعلاً في واقعنا الإسلامي. ولكن لكي تكون الديمقراطية وسيلة حضارية و(شورية) حقيقية تصنع الأغلبية بها القرار السليم والحكم الرشيد والاستقرار الآمن، فلابد من قدر شائع وغالب من الأخلاق والقيم في المجتمع نفسه وعلى نطاق واسع، تلك القيم التي تنعكس على شتى جوانب الحياة السياسية من إعلام مهني ونزيه، وأصحاب رؤوس أموال حريصين على الصالح العام، وسياسيين يرتفعون عن حصد الأصوات بمخاطبة أسوأ ما في النفس البشرية من غرائز، وهذه القيم لا يمكن أن تفرض على الناس بسلطان العنف ولا بالقانون ولا حتى بمؤسسات الدولة، ولا يمكن منطقياً أن تتحقق بشكل مستدام في مجتمع، إلا بالدين، والدين هنا يعني الأخلاق، ولكن ليس على طريقة الإنجيليين الأمريكيين المتطرفين الذين تخفي أقنعتهم الدينية أسوأ ما في البشرية من خطايا، كما رأينا بالأمس القريب.
أما في حالة العالم الإسلامي، فالإيمان بالله تعالى والتمسك بشرعه هو الطريق الوحيد – لا طريق سواه – لغرس وتعميق القيم في المجتمعات الإسلامية، تلك القيم التي تجعل للديمقراطية معنى شورياً حقيقياً، ولنتأمل قول الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الشورى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، فقرن الشورى بالإيمان والصلاة والصدقة لا تنفصل عنهم. وإننا إذا تخلينا عن قيم الإسلام وأحكامه الخالدة ذللنا وخسرنا الدنيا والآخرة وتأخرنا إلى مؤخرة الأمم، كما هو حالنا اليوم.
صحيح أن العدل النسبي والأخلاق النسبية والتدافع النسبي في أمم الأرض يؤدي إلى صلاح نسبي ورخاء نسبي، ولو مع الكفر وعبادة المادة وأنواع المعاصي. ولكن هذا العدل مع الكفر لا يلبث أن ينقلب ظلماً واستبداداً وينهار بنيانه. أما في حقنا نحن المسلمين، فلا يمكن أن ينصلح الحال إلا بالدين القويم والالتزام بالمنهاج الإلهي الرشيد على مستوى الشعوب والحكام، والمجتمع والحكومة، والمؤسسات المدنية والأحزاب، وأعني بالمنهاج بالطبع المنهاج العقدي والأخلاقي والقيمي والعملي للإسلام، ولا أعني به أبداً سلطة أصحاب الآراء (الإسلامية) من المنحرفين الذين يدّعون تمثيل الإسلام زوراً خدمة للاستبداد، والإسلام منهم براء، ولا من يتخذون من بيع الحق بثمن بخس حرفة يتكسبون منها الثروات، والحق عليهم شهيد يوم يقوم الأشهاد – أعني الإسلام الحقيقي الفطري الصافي الرشيد.