المرأة في المسجد .. دورها ومكانها وأحكامها

(مع اعتبار خاص لبلاد الأقليات المسلمة)

بحث مقدم للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته الرابعة والعشرين باستانبول – أغسطس 2014

جاسر عودة   عضو المجلس 

مقدمة

هناك موضوعان يمثلان في نظري أهمية خاصة في التجديد الفكري والفقهي الإسلامي المعاصر، نظراً للموروث التاريخي الإسلامي المعقد فيهما، ونظراً لاستقرار أعراف خاطئة عند كثير من المسلمين تتنافى مع كليات الإسلام ومقاصد الأحكام المتعلقة بهما، ونظراً لأهميتهما في النهضة الإسلامية المنشودة. هذان الموضوعان هما موضوع المرأة في الإسلام وموضوع علاقة الإسلام بالسياسة. وتزداد أهمية هذين الموضوعين في بلاد الأقليات الإسلامية، حيث تحتل دعوة الناس إلى الله وإلى الإسلام أهمية خاصة، وحيث تكثر الشبهات التي يتهم بها الإسلام في هذين الموضوعين، وحيث تترتب نتائج جد خطيرة على سوء الفهم وسوء التطبيق من بعض المسلمين فيهما.

ولذلك فقد أسعدني وأثلج صدري أن يكون الموضوع الذي تركز عليه هذه الدورة من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث هو موضوع أحكام المرأة، وزادت سعادتي حين شرفني القائمون على المجلس بدعوة كريمة للإسهام في هذه الدورة ببحث، رأيت أن يكون موضوعه مركزاً على أحكام المرأة في المسجد.

والمساجد في بلاد الأقليات لها أهمية أكبر من المساجد في بلاد الأكثريات، إذ هي محور علاقة المسلم في هذه البلاد بالإسلام، والمكان الوحيد غالباً الذي يعيش فيه المسلم ضمن مجتمع إسلامي خالص، والملاذ الذي يلجأ إليه المسلم للعودة لدينه وعبادة ربه وتحصيل العلم الشرعي وحل المشاكل الاجتماعية وعقد الزواج والاحتفال بالعيد وصلاة الجنازة والتواصل مع بني دينه ولغته إن كان ناطقاً بلغة غير لغة الأكثرية.

والمرأة في أي مجتمع هي نصف المجتمع عدداً وأهمية وأثراً، إذ هي بالإضافة إلى وجودها ودورها في المجتمع هي الزوجة والأم والبنت والأخت، وقبل كل ذلك فالمرأة المسلمة خاصة في بلاد الأقليات هي سفير للإسلام وممثل له بهيئتها التي تعلن لكل من يراها عن دينها والتزامها به حتى قبل أن تتكلم مع الناس أو تتعامل معهم.

ويدرس هذا البحث عشر مسائل تتعلق بأحكام المرأة في المسجد بدءاً من منعها من المسجد أصلاً ومكان تواجدها فيه إلى أحكام تفصيلية أخرى تتعلق بمشاركتها في نشاطه العبادي والعلمي والاجتماعي والمؤسسي. ومنهجية البحث هي الاستدلال بنصوص الكتاب الكريم وما صح من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في ما ورد متعلقاً بالموضوع، آخذين في الاعتبار مذاهب أهل العلم وفهمهم لتلك النصوص. فإن كانت النصوص الشرعية ساكتة عن المسألة فإننا نحكم بالآراء التي تحقق الأهداف العليا والغايات الكبرى في الإسلام وتراعي مصالح الأقلية المسلمة. والله المستعان ومنه التوفيق.

المسألة الأولى: منع النساء من المساجد

الإشكالية في الواقع

الواقع في هذه المسألة أليم خاصة في بلاد الأقليات الإسلامية. فرغم أهمية المسجد القصوى لكل مسلم في بلاد الأقليات كما ذكرنا، إلا أننا نجد أن المرأة في نسبة كبيرة من المساجد ليس لها مكان في المسجد أصلاً، وإذا فكرت مسلمة فضلاً عن غير المسلمة في دخول كثير من المساجد في لندن أو جوهانسبرغ أو دلهي أو غيرها من العواصم الكبيرة فإنها تجد على الباب من الرجال من ينهرها عن دخول المسجد، أو تواجه بلافتة واضحة على باب المسجد مكتوب عليها: ممنوع على النساء، أو: لا مكان للنساء. وزاد الطين بله أن المحطات الفضائية التي يشاهدها الجميع في بريطانيا (بي بي سي ٤ مؤخراً) وفي أمريكا (أي بي سي مؤخراً) وفي غيرهما – تخرج على الناس بين الحين والآخر بتحقيقات مصورة عن منع النساء من مساجد المسلمين وسوء معاملة من تحاول الدخول إليها، مما يضر بطبيعة الحال بدعوة الإسلام ضرراً بليغاً ويصم دين الله تعالى بما ليس فيه من أفعال المسلمين أنفسهم.

وإذا كان الحكم على الشيء فرع من تصوره فهناك من يتصور المسألة بشكل مختلف تماماً، مفاده أن المسلمين في بلاد الأقليات يتعرضون للفتن والمؤامرات، وأنه لابد من عودة الرجال إلى المسجد وتمسكهم به وإعانتهم على ذلك بمنع النساء من المساجد أو عزلهم فيها في أضيق نطاق، وذلك حتى يتجنب الرجال الفتنة ويتفرغوا للعبادة وعمل الخير. والحق أن هذا التصور بعيد عن واقع المسلمين وواقع غيرهم كذلك، ويصدر عن عدم وعي بحق المرأة في بيت الله كحق الرجل، وأهمية الدور الذي يمكنها أن تقوم به لدينها ومجتمعها الإسلامي والدعوة الإسلامية في المسجد، بل وخطورة غياب ذلك الدور على الدين والدنيا.

والمسألة لا تحتاج إلى استدلال في الحقيقة لأن المساجد هي بيوت الله وهو رب الرجال والنساء.

وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليل

ولكن الاستدلال التالي هو من باب التفصيل في النصيحة والحجاج لصالح المرأة المسلمة وبهدف القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة والبدعة المقيتة.

أدلة القرآن على إعمار النساء للمساجد

أما نصوص القرآن المتعلقة بهذه المسألة، فكلها يحض المسلمين ذكوراً وإناثاً دون تمييز على زيارة المسجد والذكر والصلاة فيه.

قال عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. النور ٣٦-٣٧، وقال: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. التوبة ١٠٨.

وقد أشكل على بعض المفسرين لفظة “رجال” في هاتين الآيتين فظنوا أنها تعني الذكور دون الإناث، وأثر ذلك التفسير سلبياً على عادات المجتمعات الإسلامية في تصور بعضهم أن المرأة ليس لها مكان في المسجد. فقد علق ابن كثير مثلاً على لفظة “رجال” في آية النور المذكورة بقوله: أما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن … ويجوز لها شهود جماعة الرجال، بشرط أن لا تؤذي أحداً من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب.[1] ولكن لفظة “رجال” هي في لغة العرب ولغة القرآن للذكور والإناث. قال تعالى: “وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ”. الأعراف 46، وهذه للرجال والنساء، وقال: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ”، وهذه للرجال والنساء. ولكن إذا أراد الله تعالى أن يخص لفظ “رجال” بالذكور دون الإناث ذكر لفظ “نساء” معه في نفس السياق، كقوله تعالى: ” وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ”. الفتح 25.

ومن الناحية اللغوية، يقال للنساء المتميزات “رجال” في لغة العرب. ففي مختار الصحاح مثلاً ورد تحت مادة ر ج ل: نِسْوَةٌ (رِجَالٌ) … وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: (رَجُلَةٌ). وَيُقَالُ: كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا رَجُلَةَ الرَّأْيِ.[2] وفي لسان العرب: أَن أَبا زِيَادٍ الْكِلَابِيَّ قَالَ فِي حَدِيثٍ لَهُ مَعَ امرأَته: فَتَهايَجَ الرَّجُلانِ يَعْنِي نَفْسَهُ وامرأَته … وفِي مَعْنَى تَقُولُ هَذَا رَجُل كَامِلٌ … وَفِي هَذَا الْمَعْنَى للمرأَة: هِيَ رَجُلة.[3]

ثم إن هناك آيات أخرى عامة على أي حال تحض الجميع على إعمار المساجد والتزين لها ظاهراً وباطناً. قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. التوبة ١٨، وقال:  قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. الأعراف ٢٩، وقال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. الأعراف ٣١، وحتى الجن قال تعالى على لسانهم مخاطبين قومهم: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا. الجن ١٨. وينهى القرآن بوضوح عن منع الناس من المساجد، وذلك في عموم قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ. البقرة 114.

أدلة السنة على إعمار النساء للمساجد

هذا بالإضافة إلى عشرات بل مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تدل على وجود المرأة في المسجد بشكل طبيعي في كل الصلوات والمناسبات، ولا تسمح هذه المساحة باستقصاء تلك الأحاديث كلها ولكن هاكم بعض الأمثلة:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كن نساء المؤمنين يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة.[4]

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتيت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون … فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حمد الله وأثنى عليه ثم قال … [5]

وعن الشعبي قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس … قالت: نُودِىَ فِى النَّاسِ إِنَّ الصَّلاَةَ جِامِعَةً – قَالَتْ – فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ النَّاسِ – قَالَتْ – فَكُنْتُ فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنَ النِّسَاءِ وَهُوَ يَلِى الْمُؤَخَّرَ مِنَ الرِّجَالِ – قَالَتْ – فَسَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّ بَنِى عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِىِّ رَكِبُوا فِى الْبَحْرِ … [6]

وعن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق … فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب.[7] كتب ابن حجر شارحاً: رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعداً في خيمة رفيدة عند مسجده وكانت امرأة تداوي الجرحى فقال: اجعلوه في خيمتها لأعوده من قريب.[8]

وعن عائشة، أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها، فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته – أو وقع منها – فمرت به حدياة وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته، قالت: فالتمسوه، فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت هذا الذي اتهمتموني به، زعمتم وأنا منه بريئة، وهو ذا هو، قالت: «فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت»، قالت عائشة: «فكان لها خباء في المسجد – أو حفش -» قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسا، إلا قالت:  ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا *** ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني، قالت عائشة: فقلت لها ما شأنك، لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث.[9]

وعن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة، قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال.[10]

وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم … ثم جئت ودخلت المسجد، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فقمت معه، فأطال القيام، حتى رأيتني أريد أن أجلس، ثم ألتفت إلى المرأة الضعيفة، فأقول هذه أضعف مني، فأقوم، فركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القيام، حتى لو أن رجلا جاء خيل إليه أنه لم يركع.[11]

وعن أسماء قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى نرفع رؤوسنا، كراهية أن يرين عورات الرجال لصغر أزرهم وكانوا إذ ذاك يأتزرون هذه النمرة.[12]

وعنها كذلك: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبنا، فذكر الفتنة التي يفتن فيها المرء في قبره، فلما ذكر ذلك ضج الناس ضجة، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر قوله؟ قال: «قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريبا من فتنة الدجال».[13]

وعن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقالوا ماتت. قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ دلوني على قبرها فأتى قبرها وصلى عليها.[14]

وعن عائشة قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه.[15]

“لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”

وغير هذه الأحاديث المذكورة أعلاه الكثير في نفس المعنى، مما يدل على أصل تواجد المرأة المسلمة في المسجد بكل الأشكال المشروعة وفي كل الأوقات وجميع أنواع الصلوات. ولكن الحديث العمدة في مسألة منع النساء من المساجد هو حديث عبد الله بن عمر قال: كانت امرأة لعمر (وهي عاتكة بنت زيد) تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله».[16] قال ابن حجر: فلقد طعن عمر وإنها لفي المسجد. [17]

وفي المعجم الكبير: حدثني بلال بن عبد الله بن عمر أن أباه عبد الله بن عمر قال يوما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد» فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله فالتفت إلي، فقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله، تسمعني أقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يمنعن، وتقول: هذا، ثم بكى وقام مغضبا. وفي رواية قال له: يا عدو الله. وفي رواية: فمد يده فلطمه.[18] وفي رواية الترمذي: كنا عند ابن عمر، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد، فقال ابنه: والله لا نأذن لهن يتخذنه دَغَلاً فقال: فعل الله بك وفعل، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا نأذن لهن. وهو في الباب عن أبي هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود، وزيد بن خالد، وحديث ابن عمر هذا حديث حسن صحيح.[19]

حديث عائشة من باب سد الذريعة لاعتبار مؤقت

ولكن رغم صحة هذه الأدلة وإحكامها وعمومها يقدم المانعون للنساء من المساجد حججاً يرونها مطلقة تتعلق بفتنة مدّعاة في ذهاب النساء إلى المساجد، ويروون حديثين يؤيدان بهما ما ذهبوا إليه. أولهما حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن (أي المساجد) كما مُنعت نساء بني إسرائيل».[20] وثانيهما حديث أم حميد: عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته، امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك. فقال: “قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي”. فأمرت، فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل.[21]

أما حديث عائشة، فهي فيه لم تنكر الأصل ولكنها تعاملت بالمبدأ الذي أطلق عليه الأصوليون من بعد “سد الذريعة”، وذلك في حالة طارئة في عصرها كانت فيها نساء المدينة على ما يبدو يتساهلن في الحدود الشرعية في زيارة المسجد، ولم تقصد إلغاء الإباحة أو الندب الأصليين أبداً بما يشبه “النسخ” كما فهم بعض الفقهاء. وأعلام الفقهاء في المدينة وفي غيرها على مدار التاريخ لم ير منهم أحد أن نهي عائشة رضي الله عنها يغير الحكم الأصلي. قال إمام المدينة مالك (بعد عصر عائشة بعقود قليلة) حين سئل عن المنع: لا يمنعن الخروج إلى المساجد.[22]

وقال ابن حجر: وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقاً وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع، فيقال عليه: لم ير ولم يمنع … وأيضاً فالإحداث وقع من بعض النساء لا من جميعهن فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت. والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة.[23] ولابن حزم منطق مشابه لهذا إذ قال: إن الإحداث إنما هو لبعض النساء بلا شك دون بعض، ومن المحال منع الخير عمن لم يحدث من أجل من أحدث.[24] وقال ابن قدامة: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدث دون غيرها، ولا شك بأن تلك يكره لها الخروج.[25]

فتح الذرائع لتحقيق المصالح

بل إن الذريعة في هذا العصر ينبغي أن تفتح بدلاً من أن تسد، فتيسر السبل وتذلل العقبات التي قد تعوق المرأة عن حضور المسجد. لابد أن تشجع المرأة في عصرنا على الذهاب للمسجد لأنها هناك تحقق مقاصد المسجد في الإسلام، وهي أن تذكر الله تعالى، وتتعلم العلم، وتتعارف مع غيرها من عمار المسجد، وتشارك في النشاط العام الذي يعود بالنفع عليها وأسرتها ومجتمعها ودينها بالخير.

وللشيخ عبد الحليم أبي شقة رحمه الله في كتابه المهم “تحرير المرأة في عصر الرسالة” تعليق على هذا الحديث في نفس المعنى، فقد كتب يقول: لو رأت عائشة رضي الله عنها ما فعل نساء زماننا من الذهاب لجميع أماكن اللهو متبرجات، ومن تعرضهن لغزو إعلامي خبيث يدخل عليهم في بيوتهن ويسيطر على عقولهن وقلوبهن، والمكان الوحيد الذي لا يذهبن إليه هو المسجد، فهل كانت تردد مقالتها تلك أم تقول: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل النساء لأوجب عليهن الذهاب إلى المساجد؟ وذلك من باب الحض كما كان ذاك القول من باب الزجر، حتى يبتعد النساء بعض الوقت عن أجواء الفتنة ويألفن الاحتشام.[26]

حديث أم حميد خاص بسياق معين وليس حكماً عاماً

وأما حديث أم حميد، فسياق الحديث –والذي لم يرد في روايات ابن حبان وأحمد وهي الروايات السائدة في هذا الباب، ولكنه ورد في روايات الطبراني والبيهقي وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم وغيرهم، وهي زيادات صحيحة- سياق الحديث كان خلافاً بينها وبين زوجها على مواظبتها على حضور الجماعات في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي تلك الروايات قالت: يا رسول الله إنا نحب الصلاة معك فيمنعنا أزواجنا.[27] وهذا السياق يحل التعارض بين أحاديث الباب خاصة الأحاديث العامة التي تنهى عن منع النساء من المساجد وبين هذا الحديث، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هنا كان يقصد النصح لأم حميد في حل ذلك الخلاف الزوجي الخاص بأن تستجيب لطلب زوجها، ولا يقصد التشريع العام الذي يلزم كل مسلمة في كل زمان ومكان، ومقصود الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مصرحاً به هنا ولكنه واضح بالقرائن من الأدلة الأخرى.

حديث “لا يراها رجل” وما في معناه ضعيف سنداً ومعنى

وهناك عدد من الأحاديث الضعيفة التي يحتج بها المانعون مما لا ينهض كأدلة في هذا المقام ولا يقابل الأحاديث الصحيحة الكثيرة المعارضة لها، كحديث فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سألها: أي شيء خير للمرأة؟ قالت: ألا ترى رجل ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال: ذرية بعضها من بعض،[28] وهو بالإضافة لضعف سنده يتعارض معناه مع عشرات الأحاديث التي أشرنا إليها سابقاً في حق الصحابيات رضي الله عنهن، بل معارض لصريح القرآن في قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. آل عمران 61. فالآية تذكر فاطمة رضي الله عنها ضمناً في أهل الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض المباهلة، وفي تفسير ابن كثير للآية حين ذكر قصة وفد نصارى نجران قال: … فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة.[29] وغير ذلك كثير من الأحاديث التي تظهر فاطمة رضي الله عنها في تعامل طبيعي مع الرجال في حدود الشرع.

ليس لولي المرأة أن يمنعها من المسجد

وأما منع المرأة من المسجد من قبل الزوج أو الولي مثلاً، فالأصل فيه التحريم نظراً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولكن نأخذ من حديث امرأة عمر وحديث أم حميد أن للزوج والزوجة أن يتشاورا ويتفاهما في تلك المسألة حسب الظروف والعوامل الأسرية والاجتماعية المختلفة.

ولا يصح أن يكون ذهاب المرأة إلى المسجد على حساب واجباتها الأكثر أولوية شرعاً تجاه أسرتها وأولادها، ولابد للزوج أن يتعاون معها بما لا يخل كذلك بواجباته الأكثر أولوية شرعاً، والمسألة تحتاج إلى توازن واعتدال. ولكن لا يصح منع المرأة مطلقاً من المسجد لدخوله في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الصريح.

خلاصة

لابد من عودة المرأة المسلمة إلى المسجد، ولا يجوز منعها جماعياً أو فردياً، بل لابد من إيجاد مكان مناسب للنساء في المسجد وتشجيعهن على الحضور، حتى يحققن الفوائد والمقاصد المرجوة من بيوت الله، كالرجال تماماً، وخاصة في هذا العصر وخاصة في بلاد الأقليات الإسلامية.

المسألة الثانية: مكان الصلاة للنساء في المسجد

الإشكالية في الواقع

الواقع في بلاد الأقليات المسلمة أن المساجد التي تسمح للنساء بالصلاة فيها نادراً ما تسمح لصفوف النساء أن تلي صفوف الرجال بشكل تلقائي وفي نفس القاعة كما كان الحال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي غالب المساجد في الغرب هناك قاعات أو غرف صغيرة خاصة بالنساء في الدور الأسفل لساحة الصلاة (البدروم أو الأرضي) أو شرفة عليا مغلقة أو في مبنى صغير ملحق بالمسجد الأصلي، وتنقل لهن الصلاة عن طريق مكبرات الصوت.

والإشكال هنا في حصر النساء في تلك القاعات هو من عدة نواح: أولها أن قاعات النساء تصمم بحجم أصغر كثيراً من قاعة الصلاة الأصلية وغالباً ما تضيق بالنساء في صلاة الجمعة والمناسبات الأخرى في الوقت الذي قد لا تمتلئ فيه قاعة الرجال أو باحة المسجد عن آخرها، ورغم أن أعداد النساء تفوق أحياناً أعداد الرجال في المناسبات العامة كما هو مشاهد ومعروف، وثانياً: هذه القاعات لا تكون على نفس المستوى من ناحية البسُط أو الإضاءة أو أجهزة الصوت وبالتالي فالنساء لا يشعرن بنفس الترحيب أو الاستفادة في المسجد، وثالثاً: مكان الأطفال من كل الأعمار في كثير من تلك المساجد هو فقط مع النساء في نفس تلك القاعات مما يجعل الضجة تغلب عليها، ورابعاً: لا يسمح للنساء بالدخول من مدخل المسجد الرئيس ولهن مداخل خاصة ضيقة من جانب المبنى أو من الخلف.

وأخيراً وليس آخراً: هذه الطريقة الشائعة في تصميم المسجد تعطي انطباعاً واضحاً للزوار من غير المسلمين وكذلك للشباب والفتيات الذين نشأوا في تلك البلاد كأن الإسلام “يهمش” و”يعزل” المرأة، خاصة إذا لاحظوا ضيق وضجة وعدم جاهزية قاعات النساء، وكأن الإسلام لا يحبذ أن تتواجد المرأة في بيوت العبادة، وكأن الرجال في الإسلام لا يتحملون شيئاً من مسؤولية الأطفال، وكأن الإسلام دين للرجال فقط كما نسمع كثيراً من الغربيين، إلى آخر تلك الصور السلبية التي ينقلها ذلك التصميم إلى وعي من يشاهده.

سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في تصميم المسجد

ولكن تصميم المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان أشبه بهذا الشكل التقريبي التالي. وعليه، فالسنة في هذه المسألة التي استمرت طول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرجال كانوا يصطفون في صفوف تبدأ من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويملؤون الصف الأول فالذي يليه، ثم تصطف النساء في صفوف تبدأ من مؤخرة المسجد ويملأن الصف الأخير فالذي يليه، وكان الصبيان إذا حضروا الصلاة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يصطفون صفوفاً بين الرجال والنساء.

وقد أسّس النبي صلى الله عليه وسلم المسجد في شهر ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة (622 م)، وكان طوله وعرضه بمقاييس اليوم 35x30 متراً تقريباً، وسقفه من الجريد بارتفاع 2.5 متراً تقريباً. وكانت الأعمدة من جذوع النخل والجدار من اللبِن، وجعل وسطه رحبة، وفتح ثلاثة أبواب مشتركة للرجال والنساء: باب الرحمة ويُقال له باب عاتكة (في جهة الغرب)، وباب عثمان ويُسمى الآن باب جبريل الذي كان يدخل منه النبي صلى الله عليه وسلم (في جهة الشرق)، وباب في المؤخرة (في جهة الجنوب)، والقبلة يومئذ لبيت المقدس. ثم لما تحوّلت القبلة للكعبة في السنة الثانية للهجرة، سُدّ الباب الجنوبي وفُتح باب في الجهة الشمالية.[30]

Text Box: * مخطط مبسط يوضح تصميم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وصفوفه وأبوابه *

ولم يكن بين هاتين المجموعتين من الصفوف حوائط ولا حواجز ولا خطوط، رغم قدرتهم على وضعها، بل كان آخر صفوف الرجال أمام أول صفوف النساء مباشرة. يدل على ذلك أحاديث كثيرة، كحديث عروة بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبنا، فذكر الفتنة التي يفتن فيها المرء في قبره، فلما ذكر ذلك ضج الناس ضجة، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر قوله؟ قال: «قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريبا من فتنة الدجال».[31]

وكحديث فاطمة بنت قيس قالت: نُودِىَ فِى النَّاسِ إِنَّ الصَّلاَةَ جِامِعَةً فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ النَّاسِ فَكُنْتُ فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنَ النِّسَاءِ وَهُوَ يَلِى الْمُؤَخَّرَ مِنَ الرِّجَالِ فَسَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَقَال: إِن بَنِى عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِىِّ رَكِبُوا فِى الْبَحْرِ … [32]

رؤية النساء للإمام والتلقي منه

وكانت النساء يرين الإمام – وهو الرسول صلى الله عليه وسلم- في نفس الساحة، مما يساعد – كما هو معروف علمياً – على التلقي والتواصل والتركيز، بل وحفظ بعضهن قرآناً من تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، كأم هشام بنت حارثة بن النعمان التي قالت: ما حفظت (ق) إلا من في (أي فم) رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها كل جمعة.[33] وعن ابن عباس قال إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفاً، فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب.[34]

وعن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوما من ذلك، والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس» فقلت للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لكم فرط على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا.[35]

وعن أبي عثمان، أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة فجعل يتحدث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «من هذا؟»، قالت: هذا دحية، فلما قام، قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخبر خبر جبريل.[36]

وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم … ثم جئت ودخلت المسجد، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فقمت معه، فأطال القيام، حتى رأيتني أريد أن أجلس، ثم ألتفت إلى المرأة الضعيفة، فأقول هذه أضعف مني، فأقوم، فركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القيام، حتى لو أن رجلاً جاء خيل إليه أنه لم يركع.[37]

وعليه، فليس هناك داع لعزل النساء بحوائط ولا حواجز ومنعهن من رؤية الإمام، وقد ثبت أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده كان لها أثر إيجابي على تحصيل المرأة للعلم واستفادتها من حضور المسجد وحرصها عليه.

حديث شر الصفوف ومعناه

وهناك حديث ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، رواه أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها».[38] وبعض الناس يتخذون هذا الحديث حجة في منع النساء من المساجد أصلاً أو في عزلهن في قاعات النساء المذكورة، وهو عجيب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكنه أن يبني قاعة أخرى خاصة بالنساء أو أن يمنعهن من المسجد أصلاً، وهو ما لم يحدث قطعاً.

والحديث معناه في تعليم أفضلية الصف الأول للرجال والصف الأخير للنساء ليس إلا، وذلك لاعتبارات وعلل معقولة، أولها أن الصف الأول للرجال والأخير للنساء هو لمن حضر مبكراً إلى الصلاة وهي فضيلة كما هو معروف، وثانيها أن هذين الصفين أقرب لعدم التشاغل ببقية المسجد ومن فيه والخشوع في الصلاة، وثالثها أمر يتعلق بأحاديث أخرى نهى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم النساء عن رفع رؤوسهن قبل الرجال، والذي كانت علته – في ذلك الزمان- هو ستر بعض الرجال في وقت كانت شدة الأحوال للمجتمع المسلم الوليد لا تسمح لكل صحابي أن يمتلك إزاراً طويلاً يستره في سجوده.

فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى نرفع رؤوسنا”، كراهية أن يرين عورات الرجال لصغر أزرهم وكانوا إذ ذاك يأتزرون هذه النمرة.[39] ومثله عن سهل بن سعد قال: كن النساء يؤمرن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة أن لا يرفعن رؤوسهن حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من الأرض من قباحة (وفي رواية: ضيق) الثياب (وفي رواية: فاحفظوا أبصاركن من عورات الرجال)،[40] ومثله حديث البخاري وغيره عن عمرو بن سلمة، قال: … فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص.[41] وهذه علة معقولة توضح مقصد التفريق بين الصفوف وحض النساء على الصف الأخير.

وبالتالي فحكم الصفوف عموماً أنه يستحب الصف الأول ثم الذي يليه ثم الذي يليه إلى آخرها وهذا الحكم مستمر في صفوف الرجال بكل حال، وكذا في صفوف النساء المنفردات بجماعتهن عن جماعة الرجال. أما إذا صلت النساء مع الرجال جماعة واحدة فأفضل صفوف النساء آخرها للحديث المذكورة.[42]

شبهة قطع المرأة لصلاة الرجل بمرورها أمامه

وهناك من يعترض على هذا التصميم المفتوح للمسجد – إن صح التعبير– نظراً لرأي مفاده أن مرور امرأة أمام رجل يصلي يقطع صلاته بل ظن بعضهم أن عليه إعادة الصلاة، وهو ما يخالف المعنى المتواتر المروي عن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. بل ويروي البعض في هذا حديثاً من الصحاح عن أبي هريرة وأبي ذر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: تقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار.[43] ولكن هذه الروايات تتناقض مع روايات أخرى على النقيض منها، بل ومن نفس رواتها. فعن أبي هريرة نفسه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطع صلاة المرء امرأة ولا كلب ولا حمار، وادرأ من بين يديك ما استطعت»،[44] ولم تثبت صحته.

وإذا كانت أحاديث “تقطع صلاة المرء” أصح سنداً من أحاديث “لا تقطع صلاة المرء”، فالقول الفصل في هذه المسألة للحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد رأت أن الروايات التي تدل على قطع المرأة لصلاة الرجل غير دقيقة، فعبد الله بن عبيد بن عمير، عن أم المؤمنين، أنه قيل لها إن الكلب والمرأة والحمار يقطعون الصلاة، فقالت: عدلتم ذلك بالمرأة المسلمة؟ (وفي رواية: بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار، وفي رواية: إن المرأة إذاً دابة سوء) لقد رأيتني أستيقظ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة،[45] وفي رواية قالت: وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة.[46]

وعلق الشافعي على هذه المسألة بقوله: وإذا لم تفسد المرأة على الرجل المصلي أن تكون بين يديه فهي إذا كانت عن يمينه أو عن يساره أحرى أن لا تفسد عليه.[47] وقال محمد بن الحسن: لا بأس بأن يصلي الرجل والمرأة نائمة أو قائمة أو قاعدة بين يديه أو إلى جنبه أو تصلي إذا كانت تصلي في غير صلاته إنما يكره أن تصلي إلى جنبه أو بين يديه وهما في صلاة واحدة أو يصليان مع إمام واحد.[48] وعند الحنابلة: تكره صلاة رجل بين يديه امرأة تصلي، وإلا – أي وإن لم تكن تصلي – فلا كراهة، لما تقدم من حديث عائشة.[49] وقد لاحظ أبو داود تناقض الأخبار في هذا الأمر رغم فعل الصحابة رضي الله عنهم أن الصلاة لا يقطعها شيء فقال: إِذا تنازع الخبران عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر إِلى ما عمل به أصحابه من بعده.[50]

للأطفال مكان ومكانة في المسجد

وأما الأطفال، فكان الأكبر منهم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يصطفون صفوفاً خاصة، بل يؤم بعضهم الصلاة أحياناً كما فعل عمرو بن سلمة في الحديث الذي ذكرناه، إلا أن هذا يصعب في عصرنا كما يعرف كل محتك بالنشاط التربوي الإسلامي في الشرق أو الغرب. ففي هذا العصر تقل نسبة الأطفال الناضجين الذين يخشعون في صلاتهم ولا يحتاجون إلى توجيه في المسجد. والأولى إذن أن يكون الطفل مع الأب أو الأم، أو في قاعات خاصة لرعايتهم وتعليمهم من قبل متطوعين ومتطوعات، خاصة في المناسبات العامة التي تكثر فيها أعداد الأطفال.

وتوجيه البالغ للطفل خلال الصلاة له أصل من سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قمت ليلة أصلى عن يسار النبى – صلى الله عليه وسلم – فأخذ بيدى أو بعضدى حتى أقامنى عن يمينه ، وقال بيده من ورائه.[51] وعن ابن عباس كذلك قال: أقيمت صلاة الصبح فقمت لأصلي الركعتين فأخذ بيدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “أتصلي الصبح أربعا”.[52]

ولكن هناك عادات في بعض المجتمعات الإسلامية وتظهر في بلاد الأقليات أيضاً تقتضي أن يمنع الأطفال – خاصة البنات- من المساجد، وهو مخالف لصريح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي البخاري في باب سماه “باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة”، عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.[53] وقال صلى الله عليه وسلم: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه».[54] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيجيء الحسن أو الحسين فيركب ظهره فيطيل السجود فيقال: يا نبي الله أطلت السجود فيقول: «ارتحلني ابني فكرهت أن أعجله»، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار عليهم أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره.[55]

السنة أن تكون أبواب المسجد مشتركة بين الرجال والنساء

أما الأبواب فظلت مشتركة بين الرجال والنساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر، إلى أن رأى عمر رضي الله عنه تخصيص باب للنساء يمنع منه الرجال الدخول إلى المسجد، ولكنه على أي حال لم يمنع النساء من الدخول من أبواب الرجال. ففي سنن أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو تركنا هذا الباب للنساء.[56] وفي رواية أخرى عن نافع: أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء.[57]

وبالتالي فمسألة تخصيص باب للنساء مسألة اجتهادية تنظيمية من عمر رضي الله عنه وليست توقيفية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فنهي عمر رضي الله عنه أن يُدخل من باب النساء هو نهي من باب المصلحة العامة وليس نهياً شرعياً لازماً في كل زمان ومكان، ولا يعني عدم وجود أبواب مشتركة بين الرجال والنساء. والأولى في هذا العصر خاصة في بلاد الأقليات أن يكون مدخل المسجد الرئيس مفتوح للجميع رجالاً ونساء، حتى لو اقتضت الظروف أن يكون هناك باب إضافي مخصص للنساء. ولكن يحرم أن يسيئ الرجال القول إلى النساء أو يعاملوهن بفظاظة إذا دخلن من ما يسمونه “أبواب الرجال” كما نرى في واقعنا. والحق أن سوء معاملة النساء في المساجد هي إحدى الإشكاليات الكبرى التي تواجه الجيل الجديد من المسلمين في الغرب، وتصدهم عن الإسلام وأهله، وتصد غير المسلمين عن دعوة الإسلام.

خلاصة

ليس من السنة عزل النساء في قاعات مخصوصة، ولا وضح الحواجز ولا الحوائط بين الرجال والنساء، ولكن السنة في مكان صلاة النساء في المسجد هو خلف الرجال وفي نفس الساحة حيث يبدأ الرجال من الصف الأول والنساء من الصف الأخير. وليس هناك حرج في أن تمر النساء في أرجاء المسجد في غير وقت الجماعة حيث يصلي الرجال فرادى. وليس من السنة منع البنات ولا الأولاد من المسجد ولا قصر رعايتهم على النساء. ويجوز تخصيص باب جانبي للنساء خاصة في حالة الزحام ولكن دون منعهن من مداخل المسجد الكبرى في كل وقت. وينبغي أن يراعي المسلمون خاصة في بلاد الأقليات أثر مكان المرأة في المسجد على نفسية الشباب والفتيات من الجيل الجديد، وعلى صورة الإسلام ودعوة الناس إليه.

المسألة الثالثة: التعامل الطبيعي بين الرجال والنساء في المسجد

الإشكالية في الواقع

هناك إشكالية أخرى في واقع المساجد في بلاد الأقليات (التي يُسمح للنساء بدخولها على أي حال)، ألا وهي الحساسية الشديدة بل والمنع المشدد أحياناً لتعامل النساء مع الرجال في الشؤون المختلفة وبشكل طبيعي داخل المسجد، رغم أن رواد المسجد من المسلمين رجالاً ونساء يتعاملون مع الرجال والنساء في مجتمع غير المسلمين في كل مناحي الحياة المهنية والاجتماعية بشكل طبيعي خارج المسجد. وغني عن القول أن نذكر أن هذه الحساسية تؤثر سلباً كذلك على مشاركة المرأة في المجتمع المسلم وعلى صورة الإسلام عند الجيل الجديد من المسلمين وعلى دعوة غير المسلمين إلى الله.

وإننا إذا رجعنا كذلك إلى سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم في مسجده لوجدنا تعاملاً طبيعياً بين الرجال والنساء في المسجد في الشؤون الدينية والاجتماعية المختلفة، ونجد كذلك في ما روي في السنة حالات من التجاوزات في هذا التعامل، ولكنها بقيت محدودة وبقي التعامل معها كحالات فردية لا تستدعي تغييراً جذرياً في قواعد التعامل في المسجد ولا في صفوف الصلاة ولا في تصميم المسجد المعماري نفسه. والأحاديث التالية أمثلة قليلة لذلك التعامل في حضور الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد يرويها صحابة وصحابيات، وهي تدل على ما سواها من ما يمكن أن نسميه التعامل الطبيعي.

أدلة من السنة على تعامل الرجال والنساء في المسجد في حدود الشرع

عن أسماء رضي الله عنها قالت: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبنا، فذكر الفتنة التي يفتن فيها المرء في قبره، فلما ذكر ذلك ضج الناس ضجة، حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر قوله؟ قال: «قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة الدجال».[58]

وعن جابر موقفاً شهده فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة فقالت له امرأة من الأنصار: يا رسول الله إن لي غلاما نجاراً أفلا آمره يصنع لك منبراً؟ قال: «بلى»، فاتخذ منبراً فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأنّ الجذع الذي كان يقوم عليه كأنين الصبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا بكى لما فقد من الذكر».[59]

وعن عائشة قالت: «نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه».[60] ويروي عبد الله بن مسعود موقفاً شهده فقال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ومعه نسوة من الأنصار، فوعظهن، وذكرهن، وقال: «ما منكن من امرأة يموت لها ثلاث من الولد إلا دخلت الجنة» ، فقامت امرأة هي من أجلهن، فقالت: يا رسول الله، فذات الاثنين؟ قال: «وذات الاثنين».[61]

عن مالك عن نافع عن ابن عمر قِال: كانوا يتوضؤون جميعاً، قلت لمالك: الرجال والنساء؟ قال: نعم، قلت: زمَن النبي صلي الله عليه وسلم؟ قال: نعم.[62]

ويروي جابر بن عبد الله: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: «تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم»، فقامت امرأة من سطة (أي أوسط) النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم؟ يا رسول الله قال: «لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير»، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.[63]

وعن أسماء بنت يزيد، قالت: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما عن الدجال، فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله إني لأعجن عجين أهلي فما أظن يبلغ حتى تخرج نفسي، فقال: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي فالله خليفتي على كل مسلم».[64]

ويروي أبو هريرة موقفاً شهده فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عسى أحدكم يخبر بما صنع بأهله؟ وعسى إحداكن أن تخبر بما يصنع بها زوجها، فقامت امرأة سوداء فقالت: يا رسول الله، إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بمثل ذلك؟ إنما مثل ذلك كمثل شيطان لقي شيطانة فوقع عليها في الطريق والناس ينظرون فقضى حاجته منها والناس ينظرون.[65]

المرأة تطبب الرجال في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

وهذا حديث يحتاج إلى تأمل ويدل دلالة واضحة على أننا كمسلمين قد بعدنا كثيراً عن السنة في مكانة النساء في المساجد ودورهن المنشود، فعن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها: رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول: «كيف أمسيت؟» ، وإذا أصبح: «كيف أصبحت؟»، فيخبره.[66] وفي البخاري عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق … فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب،[67] فكتب ابن حجر معلقاً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعداً في خيمة رفيدة في مسجده وكانت امرأة تداوي الجرحى فقال: اجعلوه في خيمتها لأعوده من قريب.[68]

امرأة أصابت ورجل أخطأ

واستمر الحال على هذا بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة عمر والمهور مشهورة. فقد ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أيها الناس ما إكثاركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفن رجل زاد في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش (وفي رواية: طويلة فيها فطس) فقالت له يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على اربعمائة درهم قال نعم فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن قال وأي ذلك فقالت أما سمعت الله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. النساء 20، قال فقال: اللهم غفرانك كل الناس أفقه من عمر (وفي رواية: امرأة أصابت ورجل أخطأ).[69] واستمرت كذلك سنة ضرب الفساطيط للاعتكاف ولغيره من الأهداف الاجتماعية، فقد ضرب عبد الله بن الزبير لاحقاً فسطاطاً في المسجد فكان فيه نساء يسقين الجرحى ويداويهن ويطعمن الجائع، كما يروي التاريخ.[70]

انحراف والتعامل التربوي معه

على أن الأحاديث التي أوردناها وأمثالها لا تعني أن مجتمع المدينة كان خالياً من الانحرافات، حتى في إطار المسجد، ففي المستدرك على الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس، وكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول، لأن لا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع، قال هكذا، ونظر من تحت إبطه وجافى يديه، فأنزل الله عز وجل في شأنهم: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. الحجر24.[71] ونلاحظ هنا أنه رغم التجاوز الذي حدث من بعض الرجال في النظر إلى تلك المرأة الحسناء أثناء الصلاة، إلا أن التعامل مع الانحراف كان بالنصيحة والتذكير برقابة الله تعالى على عباده، ولكن القواعد الحاكمة للتعامل بين الرجال والنساء في المسجد لم تتغير، فضلاً عن تصميم المسجد نفسه.

وفي عصرنا، خاصة في بلاد الأقليات وخاصة في الغرب، الواقع المعيش يقول إنه لا تحدث تجاوزات في تعامل الرجال والنساء في المسجد إلا نادراً، والنادر لا حكم له، لأن الفرد في الغرب يمكنه أن يذهب إلى أماكن محددة ومعروفة في تلك المجتمعات تتوافر فيها كل المنكرات، والعياذ بالله، ولا يحتاج الإنسان في الغرب أن يأتي إلى المسجد من أجل النظر إلى الحرام.

الذرائع كما تُسد تُفتح

وأما من يحتج بأن احتمال فتنة الشباب والفتيات أعلى في هذا التعامل المتاح بينهم في المسجد، فالرد عليهم أن هناك حاجة ماسة واقعية – يعرفها كل من عاش في الغرب – إلى إتاحة النظر المشروع بين الشباب والفتيات في أجواء المسجد، وهذه الحاجة الماسة هي في إتاحة فرص الزواج بين شباب وفتيات المسجد. ولعل أحد أسباب زواج المسلمين من الشباب والفتيات في بلاد الغرب من غير المسلمين – وهي ظاهرة انتشرت مؤخراً للأسف كما يعرف من يعيش في الغرب – هو عدم إتاحة الفرصة للتعارف بين شباب وفتيات المسلمين وعدم التفاعل بينهم في إطار المناسبات العبادية والاجتماعية والعلمية بما يفتح أبواب الزواج. وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تسد تلك الذريعة بل تفتحها. فعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال لي النبي: «هل نظرت إليها؟» فقلت: لا. فقال: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».[72]

وإذا حدث نظر غير مشروع وخيفت الفتنة – لا قدر الله – فلا أدل على معالجة الأمر من حديث المرأة الخثعمية، فعن عبد الله بن عباس قال: أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئاً، فوقف النبي للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها، فالتفت النبي والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فعدل وجهه عن النظر إليها …[73]

ولكن الواقع المعيش يدلنا على أن الشاب والفتاة إذا تعارفا في المسجد في بلاد الأقليات فإنهما لا ينحرفان – إن شاء الله – وإنما الزواج هو الشيء الطبيعي الذي يخطر على البال.

خلاصة

الأحاديث السابقة كلها تدل على تعامل طبيعي بين الرجال والنساء، بل ووصف محايد ومن دون حرج لحسن المرأة أو وضاءة وجهها أو سواد لونها أو سَفْع في خديها أو فَطَس في أنفها أو طول قامتها، وهلم جراً. وحين حدث تجاوز من بعض الرجال في النظر إلى النساء في المسجد أو خارجه لم يأمرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطين وجوههن ولم يأمر بستار ولا حائط أن يوضع في المسجد بين الرجال والنساء لتجنب الفتنة المحتملة، وإنما ظلت مصلحة أن يكون الرجال والنساء في نفس باحة المسجد أعلى من التجاوزات الفردية، وظلت أسئلة النساء وتعليقاتهن ومشاركاتهن مفيدة للجميع. بل إن التعامل الطبيعي في إطار المسجد يفتح ذريعة الزواج لشباب وفتيات المسجد وهو حل عملي لإشكالية اجتماعية خطيرة وموجودة.

المسألة الرابعة: لباس المرأة في المسجد

أسئلة فرعية لاستكمال الصورة

في ما يلي من صفحات نعرض باختصار لعدد من الأسئلة الفرعية التي تتعلق بفقه المرأة المسلمة في المسجد، رأيت أن أضمها لهذا البحث من باب استكمال الأحكام التي تتعلق بالمرأة في المسجد، رغم أنها أسئلة شائعة أجاب عنها أهل العلم من السلف والخلف باستفاضة مما سأنقله هنا مختصراً للفائدة.

السؤال هنا هو: هل هناك لباس خاص للمرأة في الصلاة أو في المسجد إلا الحجاب الشرعي المعروف؟ الحق أنه ليس هناك دليل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن لباس المرأة في الصلاة أو في المسجد يختلف عن لباسها الشرعي المعروف.

المرأة تأتي المسجد بالخمار ودون تعطر

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. النور 31، شققن مروطهن فاختمرن بها، وقالت: كن نساء المؤمنين يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة.[74]

والتشديد الوحيد على خصوصية المسجد كان نهياً منه صلى الله عليه وسلم عن التعطر بشكل لافت للمسجد. فعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً.[75] وفي رواية: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن إذا خرجن تفلات.[76]

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء، وفي رواية عشاء الآخرة.[77] ولقي أبو هريرة امرأة وجد منها ريح الطيب ينفح ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة.[78]

ولكن هذا النهي ليس خاصاً بالمسجد على أي حال، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية»، قال الحاكم: هذا حديث أخرجه الصنعاني في التفسير عند قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. النور 30.[79]

خلاصة

ليس هناك لباس خاص بالمرأة في المسجد ولا الصلاة فيه إلا اللباس الشرعي المعتاد.

المسألة الخامسة: حكم الجمع والجماعات للمرأة في المسجد

استقر الأمر في الفقه الإسلامي أنه ليس على المرأة شهود الجمع والجماعات كما هو على الرجل، لما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أحاديث من قبيل: ” الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض”، و”من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة  أو وصبي أو مملوك أو مريض”، و”ليس على النساء جمعة”، وغيرها.[80] ورغم الإجماع على عدم وجوب الجمعة على المرأة، إلا أنه يستحب لها حضورها إذا سمحت لها الظروف.[81]

المسألة السادسة: بقاء الحائض في المسجد

اختلف العلماء في مسألة دخول الحائض المسجد من عدمه، ولأستاذنا الشيخ يوسف القرضاوي فتوى في هذا الشأن أنقلها هنا للفائدة. كتب يقول:

اختلف الفقهاء كثيرا في لبث الجنب والحائض في المسجد، بلا وضوء، لقوله تعالى: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. النساء 43. ومعنى (عابري سبيل): أي مجتازي طريق. وأجاز الحنابلة اللبث للجنب في المسجد إذا توضأ، لما روى سعيد بن منصور والأثرم عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجلسون في المسجد وهم مجْنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة. وهناك من الفقهاء من أجازوا للجنب وكذلك للحائض والنفساء اللبث في المسجد، بوضوء أو بغير وضوء، لأنه لم يثبت في ذلك حديث صحيح، وحديث “إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب” ضعفوه، ولا يوجد ما ينهض دليلا على التحريم، فيبقى الأمر على البراءة الأصلية. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد والمزني وأبو داود وابن المنذر وابن حزم، واستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما: “المسلم لا ينجس”. وكذلك قياس الجنب على المشرك، فقد أجيز للمشرك وغير المسلم دخول المسجد، فالمسلم الجنب أولى. وأنا أميل إلى هذا اتباعا للأدلة، وجريا على منهجنا في التيسير والتخفيف، وخصوصا على الحائض، فإنها أولى بالتخفيف من الجنب، لأن الجنابة يجلبها الإنسان باختياره، ويمكنه وقفها باختياره أي بالغسل، بخلاف الحيض، فقد كتبه الله على بنات آدم، فلا تملك المرأة أن تمنعه، ولا أن تدفعه قبل أوانه، فهي أولى بالعذر من الجنب. وبعض النساء يحتجن إلى المسجد لحضور درس أو محاضرة أو نحو ذلك، فلا تمنع منه.[82]

والحديث الذي أشار إليه أستاذنا الشيخ القرضاوي هنا: «فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»، هو شطر من حديث رواه أبو داود بإسناده من حديث دجاجة قالت: سمعت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تقول: جاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجوه بيوت أصحابنا شارعة في المسجد فقال: “وجهوا هذه البيوت عن المسجد”، ثم دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل لهم رخصة، فقام إليهم بعد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب (وفي رواية: إلا لمحمد وآل محمد). ولكن هذا الحديث ضعفه البخاري وأحمد والبيهقي والألباني.[83]

وقد ذكرنا الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب، فأعتقوها … فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد …[84] قال ابن حزم رحمه الله مبيناُ وجه الدلالة من هذا الحديث على مسألة بقاء الحائض في المسجد: فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمَعْهُودُ مِنْ النِّسَاءِ الْحَيْضُ فَمَا مَنَعَهَا عَلَيْهِ الصلاة والسَّلامُ مِنْ ذَلِكَ وَلا نَهَى عَنْهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْهَ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلامُ عَنْهُ فَمُبَاح.[85]

الخلاصة: يجوز للحائض دخول المسجد والبقاء فيه وقراءة القرآن وسائر الأعمال المشروعة إلا الصلاة.

المسألة السابعة: حكم إمامة المرأة للنساء وللرجال وأذانها وإقامتها للصلاة

الأسئلة الشائعة في هذا الباب تتعلق بإمامة المرأة إذا صلت النساء وحدهن في جماعة، وإمامة المرأة إذا صلت النساء مع الرجال. والأسئلة المتعلقة بهذه المسألة على ضربين أحدهما جماعي في المسجد والثاني فردي في البيت. أما الجماعي فهناك من ينادي خاصة في الغرب أن تؤم المرأة الصلوات الراتبة في المساجد كما يؤم الرجل، وتخطب الجمعة وتؤمها. بل إن هذا يحدث فعلاً في أمريكا وكندا في مسجدين أو ثلاثة. وأما السؤال الفردي فيأتي من أخوات عربيات يتزوجن رجالاً من غير العرب خاصة ممن اعتنقوا الإسلام حديثاً، وتقول إحداهن: أنا أقرأ القرآن جيداً وهو غير قارئ وهو لا يمانع أن أؤمه في صلواتنا معاً فهل يجوز لي أن أؤمه في الصلاة؟ وهناك مسألة تتعلق بجواز أذان المرأة وإقامتها للنساء أو للنساء والرجال.

إمامة المرأة للنساء في الصلاة

أما إمامة المرأة للنساء في الصلاة، فقد روى الشافعي 315، وابن أبي شيبة 2/88، وعبد الرزاق 5082 من طريقين، عن عمار الدهني، عن امرأةٍ من قومه يقال لها حجيرة، عن أم سلمة أنها أمتهن، فقامت وسطاً. ولفظ عبد الرزاق: أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا. وقال الحافظ ابن حجر في “الدراية” 1/166 وأخرج محمد بن الحصين من رواية إبراهيم النخعي عن عائشة أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان، فتقوم وسطاً. وروى عبد الرزاق 5083 عن إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن. وقال في المغني: اختلفت الرواية: هل يستحب أن تصلي المرأة بالنساء جماعة؟ فروي أن ذلك مستحب، وممن روي عنه أن المرأة تؤم النساء: عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وروي عن أحمد رحمه الله أن ذلك غير مستحب وكرهه أصحاب الرأي، وإن فعلت أجزأهن، وقال الشعبي والنخعي وقتادة: لهن ذلك في التطوع دون المكتوبة.[86]

وروى الحاكم في مستدركه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤذن، وتقيم، وتؤم النساء.[87]

حديث لا تؤمنّ امرأة

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تؤمن امرأة رجلاً، وفي رواية: أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ سُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَه.[88] قال الأرناؤوط معلقاً: إسناده تالف، علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وعبد الله بن محمَّد العدوي الراوي عنه متروك وقد اتهمه بعضهم، والوليد بن بكير لين الحديث. وعلق محمد فؤاد عبد الباقي: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمَّد العدوي الراوي.

وهناك حديث آخر في نفس المعنى في مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن مولى، لبني هاشم عن علي، قال: لا تؤم المرأة.[89]

أخروهن من حيث أخرهن الله

“أخروهن من حيث أخرهن الله” ليس حديثاً ولا يصح الاحتجاج به في هذه المسألة، وهو قول روي في الموطأ  عن ابن مسعود قال: أخروهن من حيث أخرهن الله.[90] وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا فكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها فألقي عليهن الحيض، فكان بن مسعود يقول: أخروهن حيث أخرهن الله. فقلنا لأبي بكر ما القالبين قال رفيصين من خشب.[91] وفي صحيح ابن خزيمة: قال أبو بكر: الْخَبَرُ مَوْقُوفٌ غَيْرُ مُسْنَدٍ.[92]

حديث أم ورقة وكانت تؤم أهل دارها

حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا الوليد ابن عبد الله بن جميع، حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك، أمرض مرضاكم، لعل الله يرزقني شهادة، قال: “قري في بيتك، فإن الله عز وجل يرزقك الشهادة”، قال: فكانت تسمى الشهيدة. قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيراً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ وحسنه الألباني.[93]

وقد اختلف أهل الحديث في سند هذا الحديث. فقد نقل الأرناؤوط أن إسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن خلاد وجدة الوليد بن عبد الله بن جميع، واسمها ليلى بنت مالك، وأخرجه مطولاً ومختصراً ابن سعد في “الطبقات” 457/8، وابن أبي شيبة 12/ 527-528، وأحمد 27282، وإبن أبي عاصم في “الآحاد والمثانى” 3366 و3367، والطبرانى 25/326-327، والحاكم 1/203، والبيهقي في “السنن” 1/406 و3/130، وفي “الدلائل” 6/381 من طرق عن الوليد بن عبد الله بن جميع، بهذا الإسناد.

ولكن الْحَاكِم رواه في “الْمُسْتَدْرَكِ”، وَلَفْظُهُ: وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا فِي الْفَرَائِضِ، وقال: لَا أَعْرِف في الْبَاب حَدِيثًا مُسْنَدًا غَيْرَ هَذَا وَقَدْ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِالْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ،[94] ورواه ابن خزيمة في صحيحه وحسنه الألباني،[95] وذكر ابْن حبَان عبد الرَّحْمَن بن خلاد والوليد بن جميع فِي ثقاته.[96]

وقال الصنعاني في سبل السلام معلقاً على حديث أم ورقة: والحديث دليل على صحة إمامة المرأة أهل دارها، وإن كان فيهم الرجل، فإنه كان لها مؤذن وكان شيخاً كما في الرواية، والظاهر أنها كانت تؤمه وغلامها وجاريتها، وذهب إلى صحة ذلك أبو ثور والمزني والطبري وخالف في ذلك الجماهير.[97]

ورد ابن تيمية دعوى الإجماع التي ادعاها ابن حزم في عدم جواز إمامة المرأة للرجال بحال فقال: ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان.[98] وكتب كذلك يقول: جوز أحمد في المشهور عنه أن المرأة تؤم الرجال لحاجة مثل أن تكون قارئة وهم غير قارئين، فتصلي بهم التراويح، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنا، وتتأخر خلفهم وإن كانوا مأمومين بها.[99]

وكنب ابن قدامة في المغني يقول: قال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم (المرأة) الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أبو داود، وهذا عام في الرجال والنساء. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تؤمن امرأة رجلاً، ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز أن تؤمهم.[100]

وقد مر الكلام عن ضعف حديث “لا تؤمن امرأة رجلاً” الذي يستشهد به ابن قدامة هنا.

ولكن إمامة المرأة للرجال في الصلاة لم ترد إلا في مسجد الدار وليس المسجد الجامع، وكانت مساجد الدور منتشرة بين الناس. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدور، وأن تنظف. وعن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب بنت جحش رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «اذكرها علي». قال زيد رضي الله عنه: فانطلقت فقلت: يا زينب، أبشري أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها …[101]

أذان المرأة وإقامتها

ورد في المستدرك على الصحيحين للحاكم عن عطاء، عن عائشة، أنها كانت «تؤذن، وتقيم، وتؤم النساء، وتقوم وسطهن».[102]

وهناك من منع المرأة من الأذان والإقامة لحديث روي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، وَلَا إقَامَةٌ، وَلَا جُمُعَةٌ، وَلَا اغْتِسَالٌ، وَلَا تَتَقَدَّمُهُنَّ امْرَأَةٌ، وَلَكِنْ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ”. ولكن ابْنِ مَعِينٍ قَالَ: الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ، وقال الْبُخَارِيِّ: تَرَكُوهُ، وقال النَّسَائِيّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يُوهِنُهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَنْكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي “التَّحْقِيقِ” فَقَالَ: وَحَكَى أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، وَلَا إقَامَةٌ”، وَهَذَا لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ.[103] وبالتالي فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث.

قال ابن قدامة: ليس على النساء أذان ولا إقامة وكذلك قال ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين والنخعي والثوري ومالك وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه خلافاً. وهل يسن لهن ذلك؟ فقد روي عن أحمد قال: إن فعلن فلا بأس وإن لم يفعلن فجائز … وقال الشافعي : إن أذن وأقمن فلا بأس وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وبه قال إسحاق.[104]

خلاصة

لا تؤم المرأة الرجال في المسجد الجامع ويجوز أن تؤمهم في مسجد البيت حسب الظروف والرجال أولى.

المسألة الثامنة: اشتراك المرأة في النشاط الاجتماعي والاعتكاف في المسجد

اشتراك المرأة في النشاط الخيري في المسجد

عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق … فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب.[105] وكتب ابن حجر يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سعداً في خيمة رفيدة في مسجده وكانت امرأة تداوي الجرحى فقال: اجعلوه في خيمتها لأعوده من قريب.[106]

وعن جابر موقفاً شهده فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة فقالت له امرأة من الأنصار: يا رسول الله إن لي غلاما نجاراً أفلا آمره يصنع لك منبراً؟ قال: «بلى»، فاتخذ منبراً فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأنّ الجذع الذي كان يقوم عليه كأنين الصبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا بكى لما فقد من الذكر».[107]

وعن الربيع بنت معوذ ابن عفراء، قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، التي حول المدينة: «من كان أصبح صائما، فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه» فكنا، بعد ذلك نصومه، ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار.[108]

اشتراك المرأة في النشاط الاحتفالي في المسجد

عن عائشة قالت: كان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال: تشتهين تنظرين؟ قلت نعم، فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم.[109]

اشتراك المرأة في جمع الصدقات في المسجد

ويروي جابر بن عبد الله: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: «تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم»، فقامت امرأة من سطة (أي أوسط) النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم؟ يا رسول الله قال: «لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير»، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.[110]

اشتراك المرأة في تنظيف المسجد

عن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقالوا ماتت. أفلا كنتم آذنتموني؟ دلوني على قبرها فأتى قبرها وصلى عليها.[111]

وعن أنس بن مالك قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن هذا».[112]

اعتكاف المرأة في المسجد وزيارتها للمعتكف

قال عز وجل: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. الحج 25. وقال تعالى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. البقرة ١٨٧.

وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده.[113] وعنها رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء، فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية، فقال: «ما هذا؟» فأخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألبر ترون بهن» فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال.[114]

وأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ – زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ …[115]

خلاصة

يجوز للمرأة أن تحضر النشاط الاجتماعي والخيري والترفيهي العام في المسجد وتجلس مع محارمها خلاله، وأن تعتكف في خباء في المسجد وتزور المعتكف.

المسألة التاسعة: إلقاء المرأة لدروس العلم للرجال والنساء في المسجد

كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولى التعليم والتوجيه في مسجده في عهده صلى الله عليه وسلم، ثم تولى صحابته من بعده تلك المهمة. ورغم أنه لم ترد بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم روايات فيها صورة منظمة لتولي المرأة التدريس والوعظ في المسجد، إلا أنه هناك مئات بل ألوف الروايات للحديث النبوي على صاحبه الصلاة والسلام دخل في روايتها النساء. هذا فضلاً عن عشرات بل مئات الأحاديث التي تدل على أن الصحابيات خاصة أمهات المؤمنين ظللن مرجعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهاكم بعض الأمثلة التي تدل على الجو العلمي الذي شاركت فيه المرأة المسلمة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

عن الشعبي قال: قدمت فاطمة بنت قيس الكوفة على أخيها الضحاك بن قيس وكان عاملا عليها، فأتيناها فسألناها، فقالت: كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقني فبت طلاقي، وخرج إلى اليمن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له وطلبت النفقة …،[116] ولفاطمة بنت قيس روايات كثيرة رواها عنها تابعون بالإضافة إلى الشعبي كانت تعلمهم وتروي لهم الحديث كعروة،[117] وأبي بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي،[118] وأبي سلمة بن عبد الرحمن،[119] وغيرهم. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها، فدخل السائلون عليها فاسألوها، قال أحدهم: فدخلنا عليها، فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.[120]

خلاصة

يجوز للمرأة أن تلقي دروس العلم للرجال والنساء في المسجد، وليس هناك دليل على المنع من ذلك.

المسألة العاشرة: تولي المرأة إدارة المسجد تعييناً أو انتخاباً

استقر في أذهان كثير من المسلمين – وبعضهم من أهل العلم للأسف – أن المرأة غير مؤهلة لقيادة دولة ولا مؤسسة ولا حتى سيارة. وهذا الحكم سببه الخلط بين خصوصية بعض الأحكام الشرعية التي فيها تفريق بين الرجال والنساء لاعتبارات معينة وبين أصل  التساوي بين الرجال والنساء في حمل مسؤوليات هذا الدين، بل وحقيقة أن كثيراً من النساء مؤهلات للقيام بأدوار قيادية إسلامية أكفأ من كثير من الرجال، وهذا ما يؤكده بوضوح الواقع المعيش خاصة في بلاد الأقليات الإسلامية.

خلاصة

يجوز للمرأة أن تتولى إدارة المسجد تعييناً وانتخاباً.

خلاصات البحث

يمكن أن نخرج من هذا البحث بعدد من الخلاصات النافعة إن شاء الله تعالى، نوجزها في ما يلي:

  • المساجد في بلاد الأقليات لها أهمية أكبر من المساجد في بلاد الأكثريات، إذ هي محور علاقة المسلم في هذه البلاد بالإسلام، والمرأة المسلمة في بلاد الأقليات هي سفير للإسلام وممثل له.
  • منع النساء من المساجد في هذا العصر بدعة مقيتة تضر بالإسلام أيما ضرر، ولابد من عودة المرأة المسلمة إلى المسجد، ولا يجوز منعها جماعياً أو فردياً.
  • نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تدل على حض المسلمين ذكوراً وإناثاً دون تمييز على عمارة المسجد وذكر الله والصلاة فيه.
  • حديث عائشة رضي الله عنها «لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن» كان من باب سد الذرائع في حالة طارئة في عصرها ولم تقصد إلغاء الإباحة أو الندب الأصليين أبداً بما يشبه “النسخ” كما فهم بعض الفقهاء.
  • الذريعة في هذا العصر ينبغي أن تفتح بدلاً من أن تسد، فتيسر السبل وتذلل العقبات التي قد تعوق المرأة عن حضور المسجد حتى تحقق مقاصد المسجد في الإسلام.
  •  حديث أم حميد الذي ينص على أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد هو من باب النصح لها لحل خلاف زوجي خاص ولا يقصد به التشريع العام الذي يلزم كل مسلمة.
  • حديث فاطمة رضي الله عنها “لا يراها رجل” وما في معناه ضعيف سنداً ومعنى.
  • لا يصح أن يكون ذهاب المرأة إلى المسجد على حساب واجباتها الأكثر أولوية شرعاً تجاه أسرتها وأولادها، ولابد للزوج أن يتعاون معها بما لا يخل كذلك بواجباته الأكثر أولوية شرعاً، والمسألة تحتاج إلى توازن واعتدال.
  • الطريقة الشائعة في تصميم المسجد التي تقتضي عزل النساء في غرف ضيقة ومداخل خلفية للمسجد تعطي انطباعاً واضحاً للزوار من غير المسلمين وكذلك للشباب والفتيات الذين نشأوا في تلك البلاد وكأن الإسلام “يهمش” و”يعزل” المرأة، وينبغي أن يتغير هذا التصميم.
  • تصميم المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان تصميماً مفتوحاً فيه يصطف الرجال في صفوف تبدأ من خلف الإمام وتصطف النساء في صفوف تبدأ من مؤخرة المسجد، ودون حوائط ولا حواجز ولا خطوط، رغم قدرتهم على وضعها.
  • كانت النساء على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما بعده يرين الإمام في نفس الساحة، مما ساعدهن على التلقي والتواصل والتركيز، بل وحفظ القرآن من تلاوة الإمام.
  • حديث «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» لا يدل إلا على أفضلية التبكير إلى الصلاة وهو أيضاً مرتبط بظرف تاريخي كان فقر الصحابة رضي الله عنهم لا يسمح لهم بامتلاك أزر طويلة بما يكفي تمام الستر في السجود.
  •  مرور امرأة أمام رجل يصلي لا يقطع صلاته وليس عليه إعادة الصلاة، والحديث المروي في عكس هذا المعنى ردته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بناء على ما علمت من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
  •  للأطفال أن يصطفوا صفوفاً خاصة في المسجد ويجوز أن يؤم القراء منهم الصلاة، وتوجيه البالغ للطفل خلال الصلاة له أصل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • عادات بعض المجتمعات الإسلامية في منع الأطفال من المساجد تخالف صريح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • الأصل أن أبواب المسجد مشتركة بين الرجال والنساء، والأولى في هذا العصر خاصة في بلاد الأقليات أن يكون مدخل المسجد الرئيس مفتوح للجميع رجالاً ونساء، حتى لو اقتضت الظروف أن يكون هناك باب إضافي مخصص للنساء.
  • يحرم أن يسيئ الرجال القول إلى النساء أو يعاملوهن بفظاظة إذا دخلن من ما يسمونه “أبواب الرجال” كما نرى في واقعنا.
  • سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم في مسجده تدلنا على تعامل طبيعي بين الرجال والنساء في المسجد في الشؤون الدينية والاجتماعية المختلفة، والتجاوزات الفردية التي حدثت من بعض الرجال أو النساء كان التعامل معها بالنصيحة والتذكير دون تغيير في تصميم المسجد نفسه.
  • إتاحة النظر المشروع بين الشباب والفتيات في أجواء المسجد تفتح ذرائع الزواج بين أولاد المسلمين وهو مهم.
  • في أحاديث المساجد وصف دون حرج لحسن المرأة أو وضاءة وجهها أو سواد لونها أو سَفْع في خديها أو فَطَس في أنفها أو طول قامتها، مما يدل على حدود التعامل الطبيعي بين الرجال والنساء في إطار المسجد.
  • ليس هناك لباس خاص للمرأة في الصلاة أو في المسجد إلا الحجاب الشرعي المعروف، والتشديد الوحيد على خصوصية المسجد كان نهياً منه صلى الله عليه وسلم عن التعطر بشكل لافت.
  • استقر الأمر في الفقه الإسلامي أنه ليس على المرأة شهود الجمع والجماعات كما هو الحال على الرجل، ولكن يندب للمرأة حضور الجمع والجماعات إذا لم يكن هناك عائق يعوقها عن حضورها.
  • يجوز للحائض دخول المسجد والبقاء فيه وقراءة القرآن وسائر الأعمال المشروعة إلا الصلاة.
  • إمامة المرأة للنساء في الصلاة مشروعة، وتؤذن لهن وتقيم. وأحاديث لا تؤمن امرأة ولا تؤم المرأة أحاديث ضعيفة.
  • لا يصح أن تؤم المرأة الرجال في المسجد الجامع ويجوز أن تؤمهم في مسجد البيت حسب الظروف، والرجال أولى.
  • للمرأة أن تحضر النشاط الاجتماعي والخيري والترفيهي العام في المسجد وتجلس مع محارمها خلاله، وأن تعتكف في خباء في المسجد وتزور المعتكف.
  • للمرأة أن تلقي دروس العلم للرجال والنساء في المسجد.
  • للمرأة أن تتولى إدارة المسجد تعييناً وانتخاباً.

[1] تفسير ابن كثير (6/ 67).

[2] مختار الصحاح (ص: 119).

[3] لسان العرب (11/ 267).

[4] البخاري كتاب الصلاة 2/195 ومسلم كتاب المساجد 2/118.

[5] البخاري كتاب الوضوء 1/300 ومسلم كتاب صلاة الكسوف 3/32.

[6] مسلم كتاب الفتن 8/205.

[7] البخاري كتاب المغازي 8/416 ومسلم كتاب الجهاد 5/160.

[8] فتح الباري 8/415.

[9]  البخاري 1/95-96.

[10] البخاري 1/173.

[11] مسلم كتاب الكسوف 3/32.

[12] مسند أحمد 44/511. قال الأرناؤوط: حديث صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لإبهام مولاة أسماء – ووقع في بعض الروايات: “مولى أسماء”، وقد ترجم له الحافظ المزي في “تهذيب الكمال” في المبهمين من الرجال، وقال: إن لم يكن عبد الله بن كيسان، فلا أدري من هو – وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين.

[13] البخاري كتاب الجنائز 3/479 إلى كلمة “ضجة”، ثم روى الباقي النسائي 7/200 من الوجه الذي أخرجه منه البخاري.

[14] البخاري كتاب المغازي 8/416 ومسلم كتاب الجهاد 5/160.

[15] مسلم كتاب الجنائز 3/63.

[16] البخاري كتاب الصلاة 2/6، ومسلم كتاب الصلاة 1/327، وابن حبان 5/587، وفي الموطأ 1/197، وسنن البيهقي 3/199 وزاد: وليخرجن إذا خرجن تفلات، وصحيح ابن خزيمة 3/90 مثله، ومصنف ابن أبي شيبة 2/156 وزاد: ولا يخرجن إلا وهن تفلات، والمعجم الأوسط 1/178 وزاد: ولكن لا يأتينه إلا تفلات، ومعرفة السنن والآثار 4/237، وسنن الدارمي بإسناد حسن، وسنن أبي داود، وفي مسند أحمد عن أبي هريرة 15/405.

[17] فتح الباري 3/34.

[18] المعجم الكبير للطبراني 12/326 و12/399.

[19] الترمذي 1/709، ورواية البخاري 1/305: ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد.

[20] البخاري كتاب الصلاة 1/173 ومسلم كتاب الصلاة 1/328، وغيرهما.

[21] صحيح ابن حبان 2/815، وذكره ابن حجر في الفتح 2/495 وقال: أخرجه أحمد والطبراني وإسناد أحمد حسن.

[22] المدونة الكبرى 1/106.

[23] فتح الباري 2/495.

[24] المحلى 3/136.

[25] المغني 2/375.

[26] تحرير المرأة في عصر الرسالة 3/36.

[27] البيهقي 3/190، والطبراني في المعجم الكبير 25/148، والآحاد والمثاني 6/150.

[28] ضعيف الإسناد قال عنه الحافظ العراقي في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين: رواه البزار والدارقطني في الأفراد من حديث علي بسند ضعيف.

[29] ابن كثير 2/54.

[30] راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد 3/609، ووفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 1/249-275.

[31] البخاري كتاب الجنائز 3/479 إلى كلمة “ضجة”، ثم روى الباقي النسائي 7/200 من الوجه الذي أخرجه منه البخاري.

[32] مسلم كتاب الفتن 8/205.

[33] مسلم كتاب الجمعة 3/13.

[34] البخاري كتاب أبواب الأذان 2/388، ومسلم كتاب الصلاة 2/40.

[35] مسلم كتاب الفضائل 4/1795.

[36] البخاري كتاب المناقب 7/442 ومسلم كتاب فضائل الصحابة 7/144.

[37] مسلم كتاب الكسوف 3/32.

[38] مسلم كتاب الصلاة 2/32، وغيره.

[39] أحمد 44/511. قال الأرناؤوط: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لإبهام مولاة أسماء ووقع في بعض الروايات مولى أسماء، وقد ترجم له الحافظ المزي في “تهذيب الكمال” في المبهمين من الرجال، وقال: إن لم يكن عبد الله بن كيسان، فلا أدري من هو وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين.

[40] صحيح ابن خزيمة 2/817، وموارد الظمآن 1/136.

[41] البخاري 5/150.

[42] راجع مثلاً: المجموع شرح المهذب 4/ 301، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1/ 195، وغيرهم يقولون بنفس الحكم في نفس المسألة.

[43] مسلم 1/365، ومسند أحمد 2/299، وعلق شعيب الأرنؤوط: صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين ووقع فيه اختلاف كبير على قتادة، وهو كذلك في صحيح ابن حبان 6/151 وسنن ابن ماجه 1/305، وغيرهما.

[44] سنن الدارقطني 2/196، ومثله في المعنى في سنن أبي داود والموطأ ومسند أحمد.

[45] مسند إسحاق بن راهويه 3/613، وصحيح ابن حبان 6/111، وسنن أبي داود 1/189. علق الألباني على رواية أبي داود: صحيح.

[46] مسلم 1/366.

[47] الأم 1/198.

[48] الموطأ رواية محمد بن الحسن 2/58.

[49] كشاف القناع عن متن الإقناع 1/ 330.

[50] سنن أبي داود 2/44.

[51] البخاري كتاب الصلاة 1/255.

[52] ابن حبان 6/221.

[53] البخاري 1/109.

[54] البخاري 1/143.

[55] كما ورد عن أنس رضي الله عنه في زوائد أبي يعلى الموصلي 3/ 202، ومثله في الصحيحين.

[56] أبو داود 1/348، باب اعتزال النساء في المساجد عن الرجال. قال الأرناؤوط: رجاله ثقات، إلا أن عبد الوارث -وهو ابن سعيد العنبري- قد خولف في رفعه (أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم)، فقد رواه إسماعيل ابن علية وبكير بن عبد الله بن الأشج عن نافع عن ابن عمر، وقد رجح المصنف وقفه على عمر. وأخرجه ابن حزم في “المحلى” 3/ 131، وابن عبد البر في “التمهيد” 23/ 397 من طريق المصنف، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في “الأوسط” (1018) من طريق أبي معمر، به. وأخرج البخاري في “التاريخ الكبير” 1/ 60 عن عمر قال: لا تدخلوا المساجد من باب النساء.

[57] أبو داود 1/348، باب اعتزال النساء في المساجد عن الرجال. قال الألباني: ضعيف.

[58] البخاري كتاب الجنائز 3/479 إلى كلمة “ضجة”، ثم روى الباقي النسائي 7/200 من الوجه الذي أخرجه منه البخاري.

[59] مصنف ابن أبي شيبة 6/319.

[60] جامع بيان العلم وفضله 1/ 375.

[61] المعجم الأوسط 6/158. ورواه النسائي عن أنس 2/400.

[62] الموطأ 1/24، ومسند أحمد 2/103 و 5/490 وفيها: ويشرعون فيه جميعاً، والنسائي في الطهارة 1/57 باب وضوء الرجال والنساء جميعاً، واين خزيمة في صحيحه 1/63.

[63] مسلم كتاب العيدين 2/603.

[64] المعجم الكبير 24/173.

[65] مصنف ابن أبي شيبة 4/391.

[66] الأدب المفرد 385. قال الألباني: صحيح.

[67] البخاري كتاب المغازي 8/416 ومسلم كتاب الجهاد 5/160.

[68] فتح الباري 8/415.

[69] مسند الفاروق لابن كثير 2/573، وزوائد أبي يعلى 2/335.

[70] المستدرك على الصحيحين للحاكم 3/634.

[71] المستدرك على الصحيحين 2/348، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي صحيح ابن خزيمة 2/818، وصحيح ابن حبان 2/126.

[72] شرح معاني الآثار 3/14، وهو في المستدرك 2/179، وقال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي غيرهما.

[73] صحيح البخاري 2/132 و 8/51.

[74] البخاري كتاب الصلاة 2/195 ومسلم كتاب المساجد 2/118.

[75] مسلم كتاب الصلاة 2/31.

[76] صحيح ابن خزيمة 3/90.

[77] مسلم 1/328، والمسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم 2/65، وغيرهما.

[78] أبو داود 4/79.

[79] المستدرك على الصحيحين للحاكم وقال: وهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه 2/430.

[80] المستدرك على الصحيحين للحاكم وقال: وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه 1/425، أبو داود 2/295، ومصنف ابن أبي شيبة 2/ 109، ومسند الشافعي 1/61.

[81] سبل السلام 2/58.

[82] القرضاوي. فقه الطهارة 100.

[83] البخاري التاريخ الكبير 1/786، والبيهقي 2/620، وأبو داود 1/60.

[84]  البخاري 1/95-96.

[85] المحلى لابن حزم 1/776-777.

[86] المغني 3/37.

[87] المستدرك على الصحيحين للحاكم 1/320.

[88] سنن ابن ماجه 2/183 و 1/343.

[89] مصنف ابن أبي شيبة 1/430.

[90] الموطأ – رواية محمد بن الحسن 2/58، وأخرجه الطبراني وعبد الرزاق.

[91] مصنف عبد الرزاق 3/149.

[92] صحيح ابن خزيمة 3/99.

[93] سنن أبي داود 1/442.

[94] نصب الراية 2/32.

[95] ابن خزيمة 2/810.

[96] البدر المنير 4/392.

[97] سبل السلام 2/35.

[98] نقد مراتب الإجماع 290.

[99] القواعد النورانية 1/120.

[100] المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 2/34.

[101] مسلم كتاب النكاح 4/148.

[102] المستدرك على الصحيحين 1/320، ورواه البيهقي 1/600، وابن أبي شيبة 1/202، وغيرهما.

[103] نصب الراية 2/32.

[104] المغني 1/467.

[105] البخاري كتاب المغازي 8/416 ومسلم كتاب الجهاد 5/160.

[106] فتح الباري 8/415.

[107] مصنف ابن أبي شيبة 6/319.

[108] البخاري 3/37، وهذه رواية مسلم 2/798.

[109] البخاري كتاب العيدين 3/95 ومسلم كتاب العيدين 3/22.

[110] مسلم كتاب العيدين 2/603.

[111] البخاري كتاب المغازي 8/416 ومسلم كتاب الجهاد 5/160.

[112] سنن النسائي 2/52 قال الألباني: صحيح..

[113] البخاري كتاب الصوم 5/177.

[114] البخاري باب اعتكاف النساء 3/48-49.

[115] البخاري (3/ 49) في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي، ومسلم 4/1712، والبيهقي في سننه الكبرى في باب سماه: المرأة تزور زوجها في اعتكافه 4/529، وابن خزيمة في صحيحه في باب سماه: الرخصة في زيارة المرأة وزوجها في اعتكافه 3/349، وابن حبان في صحيحه في باب سماه: جواز زيارة المرأة زوجها المعتكف بالليل، وغيرهم.

[116] مسند الحميدي 1/355.

[117] أبو داود 1/200.

[118] ابن ماجه 3/70.

[119] أبو داود 3/593.

[120] مسلم كتاب الحج 4/55.